غرامشي و إستراتجية الحزب الشيوعي الايطالي
-ادريس الجبروني المصمودي
جريدة المحرر 07/02/1978
أقيم بفلورنسا هذه السنة.الملتقى الدولي الثالث للدراسات حول أعمال غرامشي. بعد مرور أربعين عاما على موته, يظهر المفكر غرامشي كأحد الشخصيات الحية و أحد المنظرين الماركسيين للتقاليد الشيوعية, علاوة على أن هذه السنة في ايطاليا سميت بحق "سنة غرامشي" سنة توالت فيها التدخلات في النقاش و الجدل و المجابهات النقدية حول أعمال غرامشي.
-الشيوعيون و الحكم-
من الممكن أن يكون هذا الاهتمام بفكر غرامشي راجع إلى الإشكالية السياسية للحالة الراهنة في ايطاليا,علينا أن نأخذ بعين الاعتبار وصول الحزب الشيوعي الإيطالي الى عتبة الحكم و الحبزب الشيوعي الإيطالي كان يرجع دائما في خطه السياسي إلى غرامشي, حتى ولو كان هذا عبر أشكال مختلفة و حسب المراحل التاريخية المختلفة و اللحظات المختلفة لإعادة بناء الفكر الغرامشي.
ا ذا كان المؤتمر الأول بروما سنة 1958, الذي أشار فيه طوغلياطي إلى علاقة لينين- غرامشي كمحور رئيسي للتأمل. و الملتقى الثاني سنة 1967 الذي تركز على اختيار الثقافة و علاقة البنية الفوقية- المجتمع المتمدن, فإن الملتقى الثالث اهتم أساسا بالإشكالية السياسية و التاريخية عند غرامشي و هذا الاهتمام الجديد لا يمكن فصله عن الطبعة النقدية الجديدة التي ظهرت بها أعمال غرامشي.
إن الطابع السياسي للتأملات الغرامشية التي ظهرت واضحة في هذه الطبعة الجديدة,هي مرتبطة بالوضوح الجوهري الذي نتج عن الجدال و النقاش حول علاقة غرامشي بالحزب الشيوعي الإيطالي : إن السياسة الحالية للحزب الشيوعي الإيطالي تجد في غرامشي بعض النقط المنهجية و بعض مواضيع الإلهام, و هذا لا يعني أن هذه السياسة كانت موجودة عند غرامشي من قبل. غير أن هذا لا يعني أن نتخلى عن استعمال الفكر النقدي لنمتلك الأداة لتحليل الحاضر.
إن إمكانية الوصول إلى الحكم, و تلك العلاقة النقدية مع غرامشي, كانتا المحور الذي دار حوله اللقاء الذي تفاجئ فيه الجميع للعدد المرتفع للمشاركين الأجانب, و هذا يدل على الاهتمام العالمي المرتفع للمشاركين و المتزايد حول أعمال غرامشي, و كذلك اتساع القاعدة الثقافية للماركسية الإيطالية, التي برزت من خلال جمهور غفير من الشباب الذي تتبع باهتمام كبير المناقشة على مستوى نضري عالي.
-دور الحركة الجماهيرية-
إذا أخدنا في اعتبارنا هذا الإطار, فليس غريب أن يمر الجدل النظري باستمرار حول الواقع الاجتماعي و علاقة الحاضر بالماضي.
و في تدخل "نيكول بادا لوني" إشارة إلى أن الفكر الغرامشي هو بالأساس مشروع للتغيير الاجتماعي, هذا الاهتمام العلمي بالفكر الغرامشي يعكس كذلك إشكالية كانت قد أغفلتها الماركسية,سواء في اجتماع الدولية الثانية أو الثالثة, و هي المؤسسات الديمقراطية الليبرالية في غياب الدافع الثوري للطبقة الشغيلة و الجماهير العاملة. أن التطور التاريخي لهذه المؤسسة الديمقراطيةجاء نتيجة الكفاحات و النضالات الشعبية, على كل حال فان الشعور بضعف الديمقراطية الليبرالية يسمح لنا أن نسجل الفرق بين المواقع الاجتماعية الليبرالية التي أبقت الجدل طيلة عام حول اتباع سياسة غرامشي من طرف الحزب الشيوعي الإيطالي, إن مؤسسات المجتمع المتحضر برزت خلال المناقشة لا كإشكالية فوق التاريخ لضمان الحريات العامة, بل كواقع ديالكتيكي, كمواقع للمجابهة بين مختلف الطبقات المتصارعة, أنها اللحظة التاريخية لحرب المواقع و المجابهة داخل مؤسسات المجتمع المتحضر للفوز بالسلطة و هذه السلطة لا يمكن أن تفهم في رأي الاشتراكية كسيطرة الحزب الواحد, و هي تتطلب إعادة بناء نظرية علاقة الجماهير بالمؤسسات و بالحزب, إن إعادة هذا البناء لا يمكن أن ينطلق بالضرورة من غرامشي و كما أكد "بييطرو انغراو" إن نقطة الانطلاق يجب أن تبدأ بالضرورة من تحليل الحاضر, أي حاضر الأزمة العامة التي يعيشها المجتمع الرأسمالي, هذه الأزمة التي تتجلى حسب "انغراو" في عدم قدرة الدولة الرأسمالية تلبية حاجيات الجماهير, لتتحمل بدورها المراقبة و الممارسة المباشر في الحكم. هذه هي بعض المظاهر التي لا نجدها عند غرامشي, لأنها تنتمي إلى حاضرنا التاريخي, و أن تحرر البروليتاريا,لهو رهين بالنقاش حول الإشكالية التاريخية لممارسة الحكم.
-علم السياسة-
إن الموضوع الذي اهتم به المؤرخ الإنجليزي "هوبسباون" في عرضه هو تطور علم السياسة عند غرامشي الشيء الذي لا يوجد عند ماركس على نحو منهجي, و يجب أن يوضع في إطار تجربة غرامشي و علاقته بالحركات الجماهيرية.
و كما أكد "جراطان" أن المحرك الثوري للفكر الغرامشي يجد أصوله عند لينين, و يجد في المجتمع الإيطالي مختبره الاجتماعي, و هنا يوجد الفرق الأساسي بين التجربة السياسية للمفكر الشيوعي الإيطالي بالنسبة للمفكر الثوري الروسي.
إن التجربة السياسية المباشرة للكفاح الجماهيري هي التي تفسر الدور الرئيسي الذي أعطاه غرامشي للسياسة كنشاط أساسي أي أن العلاقة الاجتماعية السياسية بين الناس تتجاوز دائرة الدولة, لتبرز عبر اتساع المجتمع المتحضر إ ذا كانت هذه بعض المعضلات التي دار حولها النقاش فالآمر لم ينتهي عند هذا الحد, هناك نقاشات دارت حول الثورة السلبية و أزمة الماركسية, و حول العلاقات بين ما هو نظري و الكفاح الواقعي. كل هذه المواضيع احتلت حيزا كبيرا في هذا الملتقى.
و إذا أردنا تلخيص اللقاء العالمي حول أعمال غرامشي يبدو من المناسب اختيار الحالة الراهنة التي تتميز بمشكل اساسي, هو إعادة بناء الإستراتيجية الاشتراكية,على ضوء اللحظة التاريخية الراهنة للازمة التي يعيش فيها المجتمع الايطالي, وهل من الممكن أن نسلتهم فكر غرامشي لا يجاد البديل.